شیعر »

27. ئه‌یلول 2013 – 20:18 |

صلاح فائق
منجّمونَ ياكلونَ ملابسهم امامَ دار اوبرا
من اين تأتي صوركَ الشعرية ؟ تسألني
من كومةِ حصى قبلَ سوقِ البلدة
من بواباتٍ تؤدي الى بوابات
من منجّمينِ يبكونَ امام كهفٍ
وبعضهم امام دار اوبرا
من اعصارٍ غادرَ بيتي قبل ساعات
وهاهو يعودُ …

زیاتر بخوێنه‌وه‌
شیعر
هاوپۆلنه‌كراو
هه‌واڵه‌كان
وێژه‌
ڕه‌خنه‌
سه‌ره‌كی » ڕۆژنامه‌وانی

حديثٌ مع واسيني الأعرج

له‌ لایه‌ن في 11. ته‌مموز 2013 – 17:35
 واسيني الأعرج:
لا أطيق الدنيا بدون امرأة تؤثث قلبي وذاكرتي.


ولج إلى قلوبنا من “البوابة الزرقاء “، أسكننا مدنه العتيقة في الجزائر،
وألبسنا “طوق الياسمين” بأيدي مريمه الخالدة.
لا حياة له خارج السفر …
لذا قطعنا تذكرة ، وتعمدنا الجلوس إلى جانبه …
فطاف بنا وحلق في سمواته المثيرة ..
وكان هذا الحديث..:

حاورته / أميرة المالكي

- هل تحب السفر كحكاية قصيرة أم رواية طويلة..؟
السفر دائما رواية طويلة، خباياها وأسرارها وهزاتها الجميلة لا تحد مطلقا. علي أن أروض حواسي ونفسي لكي ترضى بالتوقف قليلا بعد هذه الرحلة التي لم تنته بعد ونصائح الطبيب من التقليل من الإدمان على السفر. لا حياة لي خارج السفر مطلقا. كل علاقاتي الجميلة في الحياة وجنوني هو من بهاء التيه، لكسر رتابة هذه الأرض التي تشدنا نحوها باستمرار بينما أنا مازلت أكثر تشوقا لجاذبية السماء كما أشتهيها أنا. سمائي وليس سماء الآخرين. سماء النور والحب وأقاصي الجنون التي لا شيء يطالها إلا الهبل الدائم.

- متى يصبح قلمك حقيبة ، وذاكرتك جواز سفر..؟
عندما يمتلئ القلب وتفيض الحواس، يصبح القلم ليس فقط حقيبة سفر مهيأة دائما لنداء الروح العميق ولكن أكثر من ذلك، شجني الجميل المخبأ والذي لا تؤججه إلا الكتابة، به أبتدع حياتي الموازية التي تتداخل مع الحياة الطبيعية، الوفاقية، ولكنها تتخطاها باتجاه كل ما يعطينا مزيدا من الرغبة في التمادي في غينا الذي لا أحد يدرك سره إلا نحن والذين يحتضنوننا كلما ضاقت سبل الدنيا بنا. ذاكرتي هي مخبئي وموطني المندثر، كلما اشتقت لها، سافرت نحوها لا لأبكيها، فهي ترفض تزويج الحياة بألبسة الحداد، ولكن لتمنحني مزيدا من التعطش إلى الجنون والتمادي المستمر في اقتراف حماقة الجمال ومعصية الحب في زمن تجتاحه الكراهية والأحقاد، وليغضب القتلة علي إذا شاءوا، فليس ذلك شأني، وليستلوا سيوفهم فهي أبرد من الجبن وأدعى للشفقة من الخوف.

- ما الذي لا يفارقك في سفرك..؟
أولا صورة المرأة التي تملأ حضوري. لا أطيق الدنيا بدون امرأة تؤثث قلبي وذاكرتي. ثم… الركض حول حوض الماء Picine في النزل الذي أقيم فيه أثناء سفري، لا للجري فقط ولكن للتذكر باستمرار أني أقيم بمحاذاة الماء، فأنا لا أتحمل المدن التي لا بحر فيها. مجرد مزاج خاص لا أكثر. ثم… بعض كتب من سبقونا إلى هز يقينيات الأشياء المحيطة بنا. والكمبيوتر النقال Leptop، وعطري وفرشاة الأسنان. والتهيؤ باستمرار للاستماع إلى نداءات صديقات وأصدقاء الصدفة الجميلة. البقية كلها أكسيسوارات متكررة علينا تحملها على مضض.

- ما أول شيء تصافحه عيناك في المدن..؟
لا أريد أن أخيب ظنك في ولكن أول شيء يستثيرني وجوه الناس. كلما رأيتها بشوشة شعرت بأن شيئا جميلا حدث أو هو بصدد الحدوث. ليست مدننا هي الحزينة ولكن أشواقنا الدفينة هي التي تكسو وجوهنا بالحزن. أتفحص أكثر وجوه النساء، بها سر غامض نعرفه من الملامح الخفية. أعطاني الله قدرة استثنائية لقراءة الكثير مما يختبئ وراء النظرات الخفية من أسرار جميلة، ربما لأن عالمي الطفولي هو عالم نسائي بامتياز، فقد عشت في أحضان والدتي وجدتي وبنات خالاتي خصوصا وجاراتي, من قرية معظم رجالها هاجروا إلى فرنسا بحثا عن العمل أو ماتوا إبان الثورة الوطنية، من هنا حساسيتي تجاه المرأة شديدة جدا.

- عندما تكون معلقا بين السماء والأرض.. أي وحي يتنزل عليك؟
أكتب لأنسى جاذبية الأرض وأترك نفسي أحلق في جاذبية وهمية هي جاذبية السماء القلقة وأشواق الكتابة. فأنا أملك مخزونا داخليا طبيعيا، يرميني بسرعة حيث أشتهي أن أكون. أحلم أن يمنحني الله بعض العمر لكتابة هذا السحر المتمادي والمستمر في أبدا. في أوقات الفراغ، في الرحلات الطويلة التي تتجاوز الثماني ساعات كسفرات بلدان الخليج أو أمريكا أو جزر الكاريبي، أو الصين، أو… أفكر في سحر الكون وأتمنى لو كنت غيمة تجوب عبر العالم وكلما وجدت أرضا مشققة سقتها بمحبة وعندما تسألها الأرض عن اسمها وعنوانها تكون الغيمة قد انسحبت نحو أرض أخرى أكثر حاجة وعطشا. أليس الحب حالة شبيهة بالأرض والغيمة؟

- لماذا الغرب يهتم بكل شبر في أرضة ويحوله إلى قبلة للسائحين..؟
قبل أن يحولها قبلة للسائحين فهي أولا له ولمتعته. الفرق هو أن الغرب يعرف كيف يملك وقته ليعيشه بعمق. أجمل شيء هو أنه لا يبرر حبه، قد يبرر كراهيته لشيء ما، ولكن الحب ملكه وليس مضطرا لأن يفسره. في أرضنا، كل الحب نحوله إلى أرض يباب، والذين يرفضون سلطان القسوة عليهم أن يتحملوا الجهل والأحقاد لأنهم منحوا زهرة لمن يحبون، في صباح غير صباح العيد والأفراح، ولأنهم وضعوا على قبر امرأة بدون شاهدة، إيقونة ملونة بآلاف التدرجات كتب عليها: نامي أيتها الغالية، فقد كنت سأحبك لو التقينا خارج مدارات هذا القهر الغبي.

- أي محطات حياتك ..كانت سفرا للجحيم.. وأيها كانت رحلة إلى الجنة..؟
ياه يا أميرة تطلبين مني المستحيل. مع ذلك، كل سفرة ممتلئة بالوجوه وبحصاد من الطيبة والأناقة الروحية، وبالصدف الجميلة التي تهزني، هي رحلة نحو الجنة، جنتي كما اشتهيها بدون عسس وبدون حتى تلصصات الشيطان لحواء لدفعها نحو الغواية، إذ لم تعد غواية التفاحة كافية، يحتاج الشيطان إلى قدر من الحب والجنون الجميل لكي يقنع شهية حواء للركض وراءه. لقد أصبحت حواء كتابا مغلقا لا يمسه إلا من امتلك قدرا استثنائيا من السخاء والأمان. وكل رواية بدأتها ولم أتمها بسبب مرضي أو غيره، هو جحيم يضاف إلى جحيمات الدنيا التي تفرضها علينا الحياة بنظامها المقلق والمتهالك. يشكل كتاب أمي وسيرتي الذاتية جحيمي حتى أنفذه من ذلك، وهو ما أنوي فعله إن شاء الله، في نهاية السنة القادمة، إذ سأنزوي في نيويورك لمدة طويلة لإتمامه قبل العودة إلى باريس والجزائر.

- عند نقاط التفتيش.. بماذا تفكر..؟
في ما يمكن أن يدور في رأس مراقب الوثائق، والحمد لله، هذا لا يحدث إلا في الوطن العربي، على الأقل قبل أحداث 11 سبتمبر. فالتنقل بين دول أوروبا لم يعد الجواز والمرور عبر حلقات الرقابة ضرورة. في مرة من المرات، في عز فترة الإرهاب في الجزائر (1994) كنت مسافرا من باريس إلى تونس بدعوة من وزارة الثقافة. في المطار الباريسي عندما قدمت جوازي لشرطية الحدود تأملته طويلا، فداخلني إحساس غريب من الخوف، فسألتها: فهل هناك شيء غير طبيعي. ابتسمت قليلا ثم قالت: كنت أدقق في تاريخ اليوم لأتحقق بالفعل أننا في 8 أوت فقط لأقول لك عيد ميلاد سعيد. قسوة التيه كانت قد أنستني عيد ميلادي. شعرت بالكثير من الخجل، شكرتها. عندما وصلت إلى المطار، فاجأني شرطي الحدود بصوته الجهوري: واش اسم أبوك؟ عنوانك في تونس؟ واش جاي تعمل هنا؟. قلت بصوت بارد ومنهك: أنا مدعو من وزارة الثقافة. فصمت.

- صالات المطارات هل من قصص هناك لازالت تسكنك ..؟
حصلت لي قصة جميلة في قاعة الانتظار في الدرجة الأولى والبزنس في مطار كوبنهاجن. امرأة فرنسية كانت مرتكنة في الزاوية تقرأ كتابا لونه أزرق. ربما كان اللون هو الذي جذب نظري نحوها، ثم لوحة الغلاف، ثم العنوان باللغة الفرنسية: Les balcons de la mer du nord (شرفات بحر الشمال)، ضحكت في أعماقي: هل أسألها وافسد عليها راحتها؟ قلت ليكن:
- هل تقرئين لهذا الكاتب عادة؟
- ثاني نص له بعد حارسة الظلال.
- هل أعجبك؟
- لا أتحمل كتابا في حقيبتي إذا لم أحببه.
- هل هناك ما يزعجك في الرواية.
- نعم. الكثير من الأسئلة. أين انتفت فتنة؟ هل أكلها البحر؟ هل هي صاحبة القبر؟ كنت في هولندا في المرة الماضية وأزعجني أني لم أجد في ميناء أمستردام القديم تمثال كنزة. وجدت كل شيء إلا التمثال. كل شيء مثل الضباب والزئبق لا تكاد تلمسه حتى يندثر بين يديك ويتغير شكله. هذه عادة حالة النحاتين والفنانين.
- هل هو نحات أيضا؟
- يبدو كذلك وإلا لما جاء بكل تلك التفصيلات. هل قرأت له شيئا؟
كنت أريد أن أقول لها أن تمثال كنزة مكانه الوحيد هو رأسي، وأن مصير فتنة أنا نفسي لا أعرفه ولا أريد مطلقا أن أعرفه، يكفيني أنها حفنة ضباب لدنة أكثر طراوة من الحياة. وأني رجل غارق في تفصيل الكلمات كالخياط ولا علاقة لي مباشرة بالنحت ولا بالرسم وإن كنت أحبهما بجنون. نحتاج أحيانا إلى قدر من السخاء لكي لا نفسد على الناس ظنونهم الجميلة بنا.
في الطائرة تفاديتها لكي لا أفسد عليها متعة القراءة ولا أضطر للإجابة عن سؤالها.

- مضيفات الطائرات.. ألم يفتن قلمك لتكتب شيئاَ يشبههن؟
مدمن على السفر ولهذا يمكن أن تتخيلي ببساطة أنهن جزءا من عالمي الداخلي. فقد كتبت عنهم في الشرفات وفي أغلب رواياتي. يعجبني سخاءهن وأناقتهن وتفانيهن في خدمة المسافر. أشعر بقرابة من بعضهن من عطرهن فقط أو من أول كلمة تخرج من شفاههن أو من ابتساماتهن التي لا توزع على المسافرين بالطريقة نفسها. الغبي هو الذي يظن أنهن يبتسمن بشكل منمط لكل الركاب. يعجبني الخوف في عيونهن كلما مرت الطائرة بمطبات عنيفة، يخبئنه بابتسامة هاربة، ولكن عيونهن السخية تفضح كل شيء.

- الجزائر “سيدة المقام” في كل حرف تكتبه.. لماذا..؟
كنت خائفا على الجزائر من الاندثار يومها، فعاودتني صور أفغانستان ولم يكن لدي شيء أقاوم به القتلة إلا قلمي وحبري البنفسجي الطفولي. أحمد الله أنه منحني عمرا جميلا اسمه الحياة. سيدة المقام كانت رهاني للحياة في وضع كل ما فيه كان يدعو إلى الموت. رفضت يومها قدر الموت بأن تشبثت بألبسة امرأة وهمية عشقتها، موجودة فيَّ, وقلت في خاطري يجب أن تعيش مريم. وظللت أقاوم الموت فقط للانتهاء من كتابة سيدة المقام، قلت في خاطري يومها، أنهي كتابة الرواية وبعدها إذا شاء القتلة محوي، فأهلا بالموت. والكتابة لا تخون صاحبها، فقذفتني سيدة المقام نحو عالم لم أكن مهيأ له، ولكني خضته لأنه كان مغريا وجميلا، فواصلت الكتابة تحت سقف مريم دائما، في أرض الله الواسعة، وطن الكتابة.

- أول خروج عن النص المألوف في حياتك.. متى كان؟
لا أدري بالضبط؟ سؤال نقدي. ومع ذلك، يبدو لي عندما كتبت فاجعة الليلة السابعة بعد الألف في 1993. كنت أنتظر انقلابا عسكريا في الجزائر بسبب الأزمة الاقتصادية الحادة، وانتظرت أن أساق إلى السجن بسبب لساني الطويل؟. في هذا النص قلت آلام الوطن العربي بأن أضفت ست ليال لألف ليلة وليلة وانتفضت على شهرزاد لأنها بدت لي مستهلكة وذهبت حافي القدمين، مغمض العينين نحو دنيا زاد، أختها الصامتة طوال ألف ليلة وليلة وجعلتها تتكلم كما اشتهى زماني وعصري.

- عندما لمست عيناك سماء باريس لأول مره.. هل شعرت بالغربة؟
تساءلت مثل الطفل الصغير وأنا على ارتفاع أرى من خلاله باريس ليلا. هل سيكون لي بيت يوما ما في هذه المدينة التي عشقتها بسرعة؟ كان ذلك قبل أكثر من ثلاثين سنة. بعد سنوات وجدتني أحقق هذا الحلم بفضل الكتابة والمثابرة. الكتابة ليست دائما محنا متتالية، فهي كذلك لمسات سحرية تفتح الكثير من المستحيلات.

- أي الظلمات تعتري طريقك وأنت تسلك دروب الرواية التاريخية..؟
درب الإجحاف. النص الروائي التاريخي هو من أصعب النصوص التي تحد من الحرية وتحتاج إلى تحضير يتجاوز الثلاث سنوات والمحصلة في النهاية تكون عادة باردة: قراء يهربون من الرواية التاريخية الثقيلة، نقاد يستثقلونها ونساء لا يقرأنها، أقول النساء لأنهن أكثر قراءة من الرجال. لكن بعد أن رأيت أن رواية الأمير نجحت وقرئت وطبعت طبعات متعددة، و فازت بجوائز عربية وفرنسية وترجمت إلى لغات كثيرة، غيرت رأيي في الرواية التاريخية، فهي مقروءة وليست نصا مجحفا في حق الكاتب، فكتبت بعدها سراب الشرق التي تصدر قريبا بخمس لغات في إطار مشروع قطر للرواية العالمية لكتابة التاريخ العربي روائيا. ثم رواية جديدة حول فلسطين وفكرة العودة: سوناتا لأشباح القدس، هل نعود لنفس الأمكنة التي تركناها قبل ستين سنة أم أن فكرة العودة مجرد حلم وفانتازما لا تقاوم عندما نخسر كل شيء.

- ملائكة الاستقرار والراحة هل تطرد جنيات الإبداع..؟
نعم. الأدب هو الإحساس بالقلق الدائم والانفتاح على كل الأسئلة حتى تلك التي يمكن أن تقودنا نحو الهلاك، المهم أن نظل حقيقيين في ما نفعل ونقول. الاستقرار شبيه للحياة الزوجية المستقرة والمستهلكة التي لا تملك قابلية التجدد، باستثناء الأولاد فيها، تصبح ثقلا علينا تحمله. الحياة تحتاج إلى إبداع يومي للجمال لكي نتمكن من تحملها. فكل شيء لا يدخل رهان التحول المستمر والإبداعية الخلاقة بما في ذلك عاداتنا الحميمية، آيل إلى التكرار والملل والموت البطيء.

- عيون الكتابة هل يستحق لأجلها هجران النقد..؟
فعلت ذلك بلا أدنى تردد. أنا أستاذ جامعي وأدرس في جامعتين كبيرتين هما جامعة الجزائر المركزية La faculté centrale d’Alger وجامعة باريس السوربون Paris Sorbonne ومع ذلك لا شيء يقف أمام الإبداع. هو سيد الشأن لأنه بالضبط يرفض التكرار والتنميط على العكس من البحث العلمي والنقد خصوصا في الوطن العربي حيث ما يزال النقد استهلاكيا وغير خلاق. أنا مرتاح لهذا الخيار ولهذه الخسارة الجميلة التي صالحتني مع أعماقي وهبلي الخفي.

- لو تسلمت زمام وزارة الثقافة بالجزائر ،هل كانت ستغضب منك الكتابة؟
رفضت الوزارة عندما قدمت لي على طبق من نار في سنة 1993. عندما استقبلني رئيس الحكومة يومها وتحدثنا عن فكرة الوزارة، هربت في اليوم الموالي إلى تونس لحضور ملتقى وأغلقت كل نوافذ بيتي وهواتفي لتفادي الإحراج. طبعا تسعدني خدمة بلدي وأمتي ولكني لا أعرف خدمتهما إلا داخل نسق من الحرية والعنفوان، والوزارة بحكم طبيعتها، لا توفره. اخترت حريتي وكتابتي ونسيت نهائيا فكرة أن أكون وزيرا يوما. هناك من أحسن مني في إدارة شؤون البلاد، فأنا إذا نجحت في قول ما أشتهي سأكون سعيدا. سعادتي صغيرة وأبسط بكثير من وزارة بكاملها.

- لماذا يستفزنا البحث عن الحقيقة وتأويل النص والتلصص على الخصوصية في قراءتنا للرواية..؟
لأن الروايات التي لا تشكل لنا مرآة لما هو جوهري فينا ليست روايات، هذه قناعتي المطلقة في كل نص أقدم على قراءته. ولهذا صعوبة الكتابة ليست في اللغة ولكن في تصيد الحالة الاستثنائية التي يشعر بها القارئ أنه هو أيضا معني بما يقوله النص على الصعيد الجمعي والذاتي.

- الوهم هل يطرق الباب على المبدعين كثيرا..؟
ومن قال أن الوهم شيء سلبي في حياتنا الإبداعية. الكتابة وهم جميل بمعنى أنه حياة موازية نخلقها مقابل الحياة التي تجبرنا على عيشها بقوانينها وضوابطها, الوهم الإبداعي يضمن لنا عمرا آخر أجمل أحيانا وأقسى في بعض الأحيان لأنه كثيرا ما يتخلى عنا عندما نبحث عنه. كل نصوصي بدأت بأوهام جميلة وانتهت إلى نصوص رديف للحياة ولما يشغل الناس من أسئلة وجودية نمر عليها يوميا ولا نعيرها الاهتمام الذي يليق بها.

- في رواياتك عندما يغيب الوطن تحضر الأنثى..لماذا؟
وهل تتصورين وطنا بدون روح، أي بدون امرأة؟ المرأة والوطن متلاصقان في لا وعينا المتعب، مع أني ألح دائما على القول إن المرأة التي تهم نصوصي، كيان حي، من لحم ودم وألم وليس فقط الرمز. مرة واحدة غابت الأنثى من نصوصي وكان ذلك في كتاب الأمير، فبدا لي النص باردا ومشيدا على أرض قطبية لم أتعود عليها، وينقصه شيء جوهري، صوت امرأة، دمعتها، تأوهها، صراخها… اكتشفت فجأة، وعلى غير عادتي في الكتابة، أن المرأة انسحبت من رواية الأمير، ولم تكن هناك أية قصدية مسبقة، لأن المرأة في حياة الأمير ظلت لغزا ضامرا وحالة صوفية مغلقة نحتاج إلى مفاتيح ابن عربي لكشف شفرتها، ولم أنتبه لها يومها. استدركت الأمر في الروايات التاريخية التي جاءت فيما بعد، فكانت المرأة دفئي الذي لن أسلم فيه أبدا وفاتحتي لاختراق عالم متصلب.

- لماذا الرجل أكثر إبداعا عندما يكتب عن المرأة من المرأة نفسها؟
لا أدري إذا كان هذا صحيحا؟ عرفت نساء جميلات كتبن نصوصا مدهشة وجريئة، بل وعشن الحياة كما اشتهينها بكل تقلباتها ودفعن ثمنا غاليا ولكنهن ربحن شرعية الكتابة الحرة. إن المؤسسة الاجتماعية برقابتها وانضباطها الكاذب المعوق هي السبب الأول والأخير. أنا متأكد من أن هذا كله سيسقط يوما لأنه غير مؤسس وكاذب في جوهره. شجاعة المرأة علمتني كيف أنسى رجولتي الكاذبة وأتعلم منها كيف أقف على رجلي وكيف أدافع عن حقي في الحب عندما يصبح مهددا. المرأة عندما تحب بصدق، تندفع بكلها ولا توجد معها أنصاف الحلول، أما الرجل فيحسب كثيرا قبل أن يترك نصفه ينقاد نحو حبه، ويبقى النصف الآخر حبيس الوجاهة الكاذبة والمظهرية التي لا أحد يعرف أسرارها مثل المرأة، لو فقط تستطيع المرأة أن تقول ما بداخلها… لو فقط… يجب الإصغاء لها، فهي قادمة…

- كيف تستطيع المرأة تغيير اليقينيات الكاذبة التي يؤمن بها الرجل..؟
أن تقتله كل ليلة بحقيقته المضمرة التي لا يعترف بها أبدا، مثلما فعلت شهرزاد قليلا ودنيازاد كثيرا في ألف ليلة وليلة مع طاغية مضحك اسمه شهريار. الأنثوية في الرجل هي جانبه الأكثر دفئا والأكثر إنسانية عندما تسود اليقينية المهلكة للجمال.

- كيف منحت الماء ذاكرة..؟
لأنه كذلك. علينا فقط تغيير أدوات قراءتنا وزوايا نظراتنا التقليدية. أنظري إلى ما تخلفه المياه في الوديان الناشفة، من خطوط وتعرجات وخرائط سرية، أليست كلها لغات الماء وصوته الأبدي؟ ألا تشبه ذاكرة الماء، ذاكرة المرأة. المرأة واد صامت مليء بالندوب والأسئلة المعلقة. فهل يعني صمتها أنها بدون لغة؟ يحتاج الرجل إلى قدر كبير من الذكاء لكي يدرك سحر اللغة المخفية. أغلبية الرجال يمرون أمامها بدون أن يثيرهم صمتها، فهم ضحايا الضوضاء الكاذبة.

- هل كان من السهل إلباس “طوق الياسمين” إكليل حرية وجرأة.؟
كان إكليلا شبيها بإكليل سيدنا المسيح ولا تندهشي إذا قلت لك أني تأثرت بماسته. سيد الحقيقة والطيبة والعنفوان ضحية القتلة الظلاميين؟ مريم ماتت وفي فمها أصغر كلمة في الدنيا وأعظمها: أحبك.

- لماذا ” مصرع الأحلام الوديعة” دوماً يمر بصمت؟
مريم لم تمت وإنما شبه لهم ذلك. فهي مستمرة في داخلي كخيط من نور يظل مقاوما لكل التعاسات. ترفض الصمت وترفض أن تنام حتى لا تخسر من الدنيا ألقها: فلنا كل الموت لننام، تقول كلما أصابتها غفوة النوم.

- أي “شرفات بحر الشمال “تمنحنا الإطلالة الأجمل..؟
العيش في السؤال المبهم والمدهش بسره. لا شيء مضمون سوى الموت، وما تبقى كله مؤقت بما في ذلك عنصر الحياة الذي نتركه يمضي هباء. فتنة، مريم، المهبولة، حنين، رحمة، كنزة، كليمونس… كلهن نساء البحث عن المعنى الضائع في عالم لم يعد يحفل كثيرا بأشواقنا الصغيرة التي تعطي للأرض كل توازنها الضائع.

- ” مريم ” التعويذة الوديعة ،ماذا منحتك؟
شطط الحياة الجميل والرغبة في الإبداع يوميا لكي أجعل من الحياة أمرا مستساغا ومقبولا ولكي أضع دائما عربة الحياة قبل عربة الموت حتى في الجنازات. ولكي لا أسقط في التكرار الممل. مريم، رهان الحياة الدائم.

- رحلتك مع المرض ألن تسكنها رواية قادمة..؟
اعتقد أني كلما مرضت أو خرجت من موت مؤكد، زاد إيماني العميق بأن الحياة جميلة وتستحق أن تعاش, وأن الأيام التي منحت لي لا لكي أضيعها في الكراهية ولكن في الحب والكتابة. تصوري وأنا في المستشفى، في باريس بين الموت والحياة، شيء واحد ظل يملأني، هو كتابة رواية. كنت أنقل بين العربات والصالات، والأجهزة الطبية المعقدة، في سباق ضد الساعة، الوحيد الذي لم يكن معنيا بذلك ولكن بشيء آخر هو أنا. كنت أصارع شخصيات رواية انتابتني فجأة، وكأني في عطلة أدبية، وعندما غادرت المستشفى، بعد عشرة أيام، كنت قد انتهيت من كتابتها ذهنيا. رواية مليئة بالحياة والعنف. الغريب أن بطلتها امرأة تنقم من كاتب يشبهني، يريد كتابة سيرته الذاتية. أعتقد أن الكتابة أنقذتني مرة أخرى من موت مؤكد.

- موعودون منذ زمن بحديث طويل عن “والدتك” هل سننتظر كثيرا؟
سيكون ذلك إن شاء الله في السيرة الذاتية التي أنوي كتابتها خلال إقامتي القادمة في نيويورك. بعض العمر فقط، إذا أراد الله، وكثيرا من الجنون، يكفي للانتهاء من ذلك.

- الكتابة الخليجية كيف تراها وبرأيك ما الأخطار التي تعيق طريقها..؟
كتاب ممتازون يحتاجون فقط على قليل من الدعاية. نساء جريئات. جميل أن تسوق المرأة أدبها بالجرأة ولكن بالإبداع الخلاق أفضل لأنه الأبقى دوما. قرأت نصوصا جميلة لليلى الجهني، شعر بروين حبيب، روايات فوزية رشيد وليلى العثمان، وغيرهن، وكلها نصوص عالية القيمة. الموجة الكتابية النسائية الشابة في الخليج والمغرب العربي، جميلة ورائعة، ولكن حذار من التكرار، الإبداع هو التفرد والجرأة على قول الذات وليس قول ذوات الآخرين فقط. من السهل أن تشرح جسد غيرك ولكن من الصعب أن تفتح بالمشرط ما يؤثث جسدك من خفايا وأسرار؟

- المجتمعات المحافظة.. هل تقتل روح الإبداع..؟
تقتل نفسها أولا قبل أن تفعل ذلك مع غيرها. الأدب هو حياتها لو تعرف كيف تتظلل به. ولكن نحتاج إلى زمن آخر ورجال آخرين يدركون أن الأدب هو أولا قيمة إنسانية قبل أي شيء آخر. فلوبر في مادام بوفاري عانى ما نعانيه اليوم من المحافظين، لكن الذي بقي أدبه، أما هم فلم تبقى منهم إلا الصورة الكاريكاتورية التي صنعها لهم.

- “كتاب الأمير” بظنك هل يجب أن يكون مادة تاريخية كجزئي ” الليلة السابعة بعد الألف التي تدرس الآن في الجامعات العالمية؟
لدي مشروع الجزء الثاني من الأمير،أي مرحلته الصوفية، أنتظر فقط بعض الوقت لإتمامه. هناك دائما نصوص تشوش على برامجي المعدة سلفا، لأني في إصغاء دائم لنداءات الحياة وللعصر الذي أعيشه وأنا منه. أقول دائما برامجي يمكن أن تنتظر لكن التكسرات التي تخترق زماننا وتهز يقيننا، لا تنتظر أبدا. ولهذا انتهيت من كتابة رواية فلسطين: سوناتا لأشباح القدس، بدل الجزء الثاني من رواية الأمير الذي كان مبرمجا مع دار الآداب لهذه السنة.

- هل الترجمة رحلة مثيرة دائماً؟
ممتعة. والغريب أن كل مترجماتي الأجنبيات نساء. لم أخترهن وعندما اخترت مترجما اخترت رجلا. وتأكد لي فيما بعد أن مغامرة الترجمة مع امرأة مليئة بالأسرار الجميلة التي لا يراها القارئ والتي هي مبطنة في شكل انفعالات وأسئلة وحياة وجانبية داخل النص الروائي. سنطالب يوما النقد السطحي بأن يهتم بما يعتمل حقيقة في عمق النصوص الأدبية من أشياء جميلة عليه أن يسعى لإظهارها لأنه لولاها لما كانت الترجمة والكتابة على تلك الصورة.

توانجێك بنووسه‌

أضف تعليقك أسفله ، أو متابعة من موقعك الشخصي. يمكنك أيضا Comments Feed عن طريق الRSS

من فضلك لا تكتب سبام

يمكنك إستخدام هذه الوسوم

<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong> 

This is a Gravatar-enabled weblog. To get your own globally-recognized-avatar, please register at Gravatar.